قراءة في قصيدة : (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) لأمل دنقل
كتبهاتاء التأنيث ( المتحركة ) ، في 28 يناير 2009 الساعة: 23:57 م
حواء الطوير

يقول الشاعر امل دنقل :
أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
تلعقَ من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !
تكلمي … لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي .. ولا الجدران !
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
ولا احتمائي في سحائب الدخان !
.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة
( - كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ
وحين مات عَطَشاً في الصحراء المشمسة ..
رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..
وارتخت العينان !)
فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟
والضحكةُ الطروب : ضحكته..
والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟
* *
أيتها النبية المقدسة ..
لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ “اخرسْ ..”
فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها ..
أردُّ نوقها ..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،
أدعى إلى الموت .. ولم أدع إلى المجالسة !!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. تكلمي ..
فها أنا على التراب سائلً دمي
وهو ظمئً .. يطلب المزيدا .
أسائل الصمتَ الذي يخنقني :
” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “
أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!”
فمن تُرى يصدُقْني ؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا :
” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “
” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “
أيتها العَّرافة المقدسة ..
ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..
والتمسوا النجاةَ والفرار !
ونحن جرحى القلبِ ،
جرحى الروحِ والفم .
لم يبق إلا الموتُ ..
والحطامُ ..
والدمارْ ..
وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،
وفي ثياب العارْ
مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !
ها أنت يا زرقاءْ
وحيدةٌ … عمياءْ !
وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ
والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !
فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.
في أعين الرجال والنساءْ !؟
وأنت يا زرقاء ..
وحيدة .. عمياء !
وحيدة .. عمياء !
يونيو 1967
يعكس صاحب النص معاناته واضطرابه النفسي نتيجة عدم التوازن بين ما كان يصبو إليه وما يخشى وقوعه، لتنقلب الأحداث رأسا على عقب، ويحاول الوصول إلى الحقيقة، يقلب صفحات التاريخ، فيخاطب شخصية تاريخية، أو لنقل أسطورية، [استدعاء الشخصيات التاريخية] ليبثها شجونه، فحالته مماثلة لحالتها، فكل منهما يعيش أللم والعذاب، ويتخذ قناعا وستارا رمزيا يحاور من خلاله جراح الوطن، في 1967م [النكسة].
يبدأ النص باللجوء إلى الزرقاء [وقد سماها بالعرافة] في جزئيته ألأولى، ثم يطيل معها الحديث متسائلا… وحين عجز عن الرد يوجه إليها صرخات آمرة، ثم يوجه كلماته لطفلة صغيرة فيخفف من وطأة أسلوبه، ثم يعود مخاطبا الزرقاء بلفظ النبية المقدسة لترتفع عن كونها عرافة، كما نعتها بذلك من قبل، ويصور بعد ذلك في بكائيته معاناته، وكم يحمل همّ الوطن ! فيختم كلماته بعتاب حاد للزرقاء بعدما نعتها بـالعمياء.
تلك العرافة التي لم تفد تنبؤاتها في النجاة مما حذرت منه، فيسائلها… علها تجيبه عما يتأجج في الأعماق، فتطفو على السطح هذه الآلام لتظهر على وجه عباراته: [منكسر السيف، ساعدي المقطوع، وهو مايزال ممسكا بالراية المنكسة، الليل، الغبار، الدخان، العار، السبي، الفرار، مثخنا بالطعنات والدماء، يثقب الرصاص رأسه، طعامي الكسرة والماء، فضلة الآمان، وقفتي العزلاء، ....إلخ] وكذلك نلحظ استخدامه الأفعال الدالة على الحالية نحو: [أزحف، أسأل، ما يزال، يثقب، أقتل، يسقط، أشدها، تقفز، نفتح، أخفي، أرد، أنام، تفيد، يسقن. لا يملكن...إلخ].
وهذا كله يدل على عمق التجربة لصاحبه فيصور الأحداث كأنها تقع الآن لتنتقل هذه التجربة الشعورية إلى كل شخص يقرأ نصه هذا فيحس بما أحس به.
* يحكي (أمل) عن أمل ضائع… يسائل الرهينة الزرقاء لتجيبه عن حيرته وتلهه عن ضياع ذلك البيرق… فيبعث فيما يصوره صورة ذلك الضياع… [جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء... عن ساعدي المقطوع وهو مايزال ممسكا بالراية المنكسة].
فيمرغ أنفه في الرمال التي صورها: (عن الفم المحشو بالرمال والدماء) لتصبح الرمال عنده كلها دماء…!
* ونقف معه في مشهد من مشاهده الذي يقول فيه: [... عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء، فيثقب الرصاص رأسه في لحظة الملامسة !] وكذلك [عن صور الأطفال في الخوذات، ملقاة على الصحراء..].
نعيش معه في هذا المشهد الأليم وما يصوره من بشاعة الحروب والدمار، لأن صاحب النص جزء من وطنه… (فالجار) دلالة لغوية يشير فيها (أمل) على قوة التماسك والتلاحم فيما بينه وبين الآخر فهو يتألم لألمه، ويفرح لفرحه، ويجوع لجوعه، ليدلل على أنه يسطر إحساسه الذاتي، فهو القائل: [هنا علاقة.. بين شخصية الشاعر كإنسان وشخصيته كمبدع، وفي نهاية الأمر ليس إبداع الشاعر إلا انعكاسا لشخصيته كإنسان]… [عشت مجتمعي كاملا حتى النخاع...] أسئلة الشعر، جهاد فاضل.
* ونلحظ في عباراته ودلالاته ذلك الرفض للتنكيل والاعتداء محاولا استنطاق تلك الهزيمة… ومن ألفاظه: [تكلمي، لا تغمضي، لا تشتكي، لا تسكتي،...] ولكن دون جدوى، كأنه يدور في فلك حائر، ويحاول الربط ما بين العقد (عقدة الساعد المقطوع وهو حامل الرايةـ وعقدة الأمل المفقود لتتحول دماؤه حساء تلعق منه الجرذان) ووراء هذا التعبير ما وراءه.
فدلالة اللعق في [تلعق من دمي حساءها... ولا أردُّها] تدل على الاستسلام والخنوع من جهة، ومن جهة أخرى إيماء لمصير من حوله من المقاتلين، وفيه أيضا – يعني دلالة اللعق- الحط من الآخر المعتدي.
* وفيما بعد.. يبين أنه لم يعد قادرا على أن يذود عن نفسه ولا حتى عن عرضه، ليفضل الموت على يديه لا على يد عدوه، فلم يعد يفد الاختباء ولا الاحتماء ولم يعد الليل يخفي ملامح انكساره.
* ثم ينتقل بدلالة أخرى في مفهوم (الطفلة) [كان يقص عنك يا صغيرتي... حين مات عطشا... رطّب باسمك الشفاه اليابسة] كأنه يعبر من خلال هذه الدلالات عن آمال وأحلام كان يصبو إليها، فيخاطب (أمل) في هذه الطفلة (رمز البراءة) آمال ذاك الرجل الذي كان باركا في الحرب ومرابطا، فيتذكر طفلته التي غادرها حاملا بندقيته في الصحراء المشمسة الحارقة، ليحترق ألما من جراء تلك الذكرى، وأين أنا ؟ … وأين أنت الآن … عطشان للقائك في لحظة المغادرة ترتسم صورتها العذبة أمام عينيه ليغمضها للأبد على صورة باسمة في حياته، لتتحطم كل المعاني والقيم… فتسقط في هاوية الطعان.
* ويصبح المناضل المكافح عبدا مملوكا من طائفة العبيد… [يحرس القطعان ويجتن صوفها، أو يرد نوقها] فمن كانت هذه حاله أيرتجى منه أمل ؟! أندعوه للجهاد للنضال للعمل ؟! وهذا ما يصوره في [دعيت لميدان] وقد حاول (أمل) أن يماثل هذه الحالة بحال الزرقاء التي ما برحت تنصح قومها، وتعلمهم بالجيش القادم والخطر المحدق بهم، لكنهم سخروا من كلامها، فهي تماما تجسد حالته في النكسة، يود التقدم نحوها ليواسها، لكن ثمة أحلام وأوراق ضائعة، فلا يجد إلا فورات خامدة في كل فرد، فهل هو العجز ؟ فينفجر الموقف بالبكاء ويرسم صورة الكآبة، التي ما انفكت تخيم على جو النص…
* ونلحظ أمرا في نص (أمل دنقل)، ونصوصه الأخرى، أنه يقتبس من التراث، فاستدعاء الزرقاء وقبيلة عبس واقتباس بيت من الشعر في نحو: ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا فهو يقول: [... أنا أعتقد أن العودة للتراث هي جزء هام من تثوير القصيدة العربية، وهذا الاستلهام للتراث يلعب دورا هاما في الحفاظ على انتماء الشعب لتاريخه] أسئلة الشعر، جهاد فاضل.
* ودائما نلحظ في نصوصه لمسة أمل تجول حول إحساس أمليّ.
* وتتكرر عبارات صارخة له في القصيدة على نحو [تكلمي.. تكلمي...] تنطلق من البعد النفسي، وكذلك الانحراف اللغوي وقضية الاسناد وهذا التجديف الأدبي اللغوي ليصبح الأمان عند (أمل) فضلة، كما قال: [لا تسكتي، فقد سكت سنة فسنة... لكي أنال فضلة الأمان] ليشعرك أنه لا شيء.
* وفي مغبة حديثه نبرات من العتاب وتأنيب الضمير، والندم على ما فات، يجسد فيه ما حل بالبلاد، ويعترف لبطلته أنها كانت محقة وعلى صواب ولكن اعترافه هذا لا يفيد، ولا يغير من الواقع شيئا، ولا يحرك فيه شعرة، فـ[ماذا تفيد الكلمات البائسة؟] فهو في نصه مضطرب قلق، حائر، وشعوره كشعور المحموم يضطرب من شدة الألم يحتاج لقطرة من الماء تسكن حرارة ألمه، وتبعث فيه الحياة وتزيل عنه الكآبة وتمسح دموعه المنهمرة في بكائيته ولربما يجدد الحياة، (فدي موسيه) يرى بانقطاعه عن البكاء انقطاعا عن الحياة، ويقول (ادجار آلن بو): إن الكآبة أكثر النغمات صلاحية للشعر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب وثقافة, دراسات, شعر, قراءات, مقالات, نقد | السمات:قراءات, نقد, مقالات, أدب وثقافة, دراسات, شعر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























