الدراما التاريخية … الأصيل والدخيل
كتبهاتاء التأنيث ( المتحركة ) ، في 28 فبراير 2009 الساعة: 14:46 م
عبدالعظيم شتوان
راجت اليوم على ساحات العرض المسلسلات التاريخية الإسلامية، ولاقت اهتماماً كبيراً، وإقبالاً ضخماً، ووجدت مكاناً مهماً بين باقي العروض الفنية، وذلك مصدر من مصادر التعبئة الثقافية اليوم، فلم يعد أحد يهتم بالتاريخ الإسلامي بين شعوب المسلمين إلا ما قل ونذر، ومن الذي لديه الوقت لينظر في المصنفات والكتب التي أرخت لهذا التاريخ المشرف، لتصبح شاشات العرض بدلاً عن المكتبات تقريباً، ولأن أمة اقرأ تحب أن تسمع أكثر ما تحب أن تقرأ في هذه الأيام، فالعرض التمثيلي يجعل من القصة حقيقة، إذ هو ينقلك من الخيال إلى واقع مشاهد وكأنك بين أوساطهم، وهذا هو التأثير الذي يتسلل إلى الأفكار من غير أن يشعر صاحبها، فيزرع فيه بذور الثقافة ويسقيها بالصوت والصورة، فالحدث الذي تشاهده وأنت تعلم أنه لا يعدو أن يكون تمثيلاً، إلا أنك لا تريد لأحد أن يقاطعك ليواجهك بقوله أنه مجرد تمثيل، لأنه يفسد عليك المتعة وأنت تؤمن بما تراه على وجه الحقيقة من حيث أ،ك لا تؤمن به حقيقة، وربما فاضت مشاعر التأثر حتى تصل إلى حد البكاء عند بعض المشاهدين، متجاهلاً أنه لا يتجاوز أن تكون قصة خيالية في كثير من الأحيان.
والخطر الداهم يأتي من هذا الباب، فهل بعد انطباع تلك الصور في الذهن والمخيلة يستطيع أحد أن يقنعك أنها ليست حقيقة وخاصةً إن كانت القصة التي تجري عليها العمل واقعية صحيحة وبالتالي فإن الإضافات الجزئية التي ستكون فيها لسد فراغات النص بها تأثير عميق في تغيير النظرة الحقيقية بشكل كبير، متناسين أن أكثرها وهمي جيء به لغرض، ومن هنا يختلط عندك الصدق بالكذب والحقيقة بالخيال، وقد تخرج هذه الجزئيات عن غرض سدّ الفراغ إلى تشويه عظيم في الصورة، وقديماً وصف بعض المؤرخين هارون الرشيد بأنه يعاقر الخمر، ويلهو ويعبث، وقد ردّ ابن خلدون على ذلك وأثبت أن الخليفة الذي كان محباً للعلم ورعاً تقياً فقيهاً عابداً زاهداً، يحج عامً ويغزوا عاماً وقد يصل عدد العلماء الذين يحجون معه في كل عام إلى المائة أحياناً والذي اشتهر بمجالسة العلماء، ما كان ليصح أن يكون منه ذلك ولا أن يوصف بتلك الأوصاف، فلا ندري ما القصد من وراء تشويه صورة هذا الرجل العظيم؛ وكون المجتمعات لا تخلو من المخالفات هذا شيء طبيعي، فقد وُجدت المخالفات في خير القرون على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو بين أظهرهم تلك سنة الله في خلقه، ولكن أن نحكم بالتعميم على الظاهرة وأن نقذف العلماء بكل بلية انتشرت ومصيبة عمّت لهو ظلم عظيم وغمطُ لحقوق الآخرين، وتماماً ما يحدث اليوم في دور العرض وعلى الشاشات، فقد وجد الكتاب ما أرادوا في التاريخ الإسلامي ونشروا ما ورثوا دونما نظر ولا تدقيق، ولا تمحيص ولم يعلموا أن ذلك يَجُرّ بلاء عظيماً، أرادوا أن يُظهروا رغد العيش في الدولة الإسلامية وحضارتها وقوتها وانفتاحها على الأمم الأخرى، فما كان منهم إلا أن وصفوا أعلام الأمة وقضاتهاوفُضلائها باللهو والعبث، فضلاً عن العامّة، فقد شاهدت فيما شاهدت أحد المسلسلات التي تعرض الحياة الأندلسية، في فترة حكم المسلمين وتاريخها ومن أعاجيبهم أن قاضي القضاة في قرطبة يأكل لذيذ الطعام وعديد الأصناف بشراهة الضباع، وكأنه متسوّل لا قاض ويرقص مع الفتيات وكأنه في نشوة السكر بغير حياء، لا ممثلاً ليد العدالة السماوية في الأرض، وكأنما العلم والدين ثوب يرتديه حيناً ويخلعه حيناً والأطمُّ من ذلك أن يخوض القاضي قصة غرامية مع إحدى سيدات القصر، وأن يتبادل معها رسائل الغرام ونظرات الساقطين ناهيك عما وصفوا به سيدات الخدور في خدورهن، إنّ هذا الشيء يُراد، وقسْ على ذلك الكثير من المشاهد في غير هذا العمل ولكنّ الناظر في تاريخ المسلمين حقيقة يستبعد ذلك كلياً فما كان أهل الحضارة الإسلامية إلا غراساً اقْتُطِعت من شجرة النبوة المحمدية، سَطرت لنا هذا التاريخ المشرف وما كان الخلفاء والقادة والعلماء والقضاة وهؤلاء الأكابر إلا أصحاب دين وتقوى وخلق وحياء، فضلاً عن استنفاذ أوقاتهم في شتى مناحي العلوم، حتى كان لهم اليد العليا وحازوا قصب السبق فيها، فما أغنى به أهل الأندلس وغيرهم من شعوب المدن الإسلامية الحضارية من علوم دليل واضح على رقي عقولهم، ونضج أفكارهم، ومجاوزتهم الملذات والشهوات ومجاهدة النفس، بل تقويمُها وترويضُها، ويبدو أن أهل هذه السلعة لم يسمعو عن قرار قطع الكروم التي أمر بها الخليفة في الأندلس ليقطع مادة الخمر لولا خوفه من أن يتسبب في فساد كبير وأنه يمكن الاستفادة في غير الخمر، وربما استُخلصت الخمر من غيرها، فلا حاجة لفعل هذا؛ ليرى العالم كم كانوا حريصين على الدين وحياة الدولة الإسلامية.
أما في مجال العلوم فلعل في ما قاله صاحب المقتطن كفاية وزيادة قال: ما نصه ليقل لنا أهل إسبانيا أين الثمانون ألف كتاب التي أمر كردينالهم شيمتر بحرقها في ساحات غرناطة بُعيد استظهارهم عليها، فأحرقوها وهم لا يعلمون ما يعلمون؛ حتى أفْنوا على ما قال مؤرخهم ريلس ألف ألف وخمسة آلاف مجلد كلها خطه أقلام العرب وليتهم يخبرون كم من كتاب لعبت به نيرانهم… وما يقولون عن السفن الثلاث التي ظفروا بها مشحونة بالمجلدات العربية الضخمة وطالبة ديار سلطان مراكش فسلبوها وألقوا كتبها في قصر الاسكوريال سنة 1082هـ، حتى لعبت بها النيران وأكلت ثلاثة أرباعها، ولم يستخلصوا منها إلا الربع الأخير وأهل الزمان حتى الآن لم يستوعبوا كل ما بقى منها؛ ولن ننسى قصة بغداد وما فعله جيش التتار بتراثها فهي أشهر من أن تذكر فلقد تغير لون النهر إبان ذلك الحدث ومشت الخيل على جسر من الكتب الضخمة؛ فيا لهذا التاريخ المجيد والأمة العريقة؛ فما أظن أن تلك العلوم والتراث العظيم، قد صُنف على دق الطبول وعزف المعازف والتشبع بالملذات والاستغراق في اللهو والشهوات وخلع الحياء وطرح الدين فـ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
مشكلتنا أننا نقع في التعميم، ولا نضع الناس مواضعهم، فيستوي عندنا العالم والجاهل، والمعتوه والعاقل، وكأنما عقولنا ريشةٌ في مهب الريح تحركها كيفما شاءت، وتحطها أين ما شاءت فرب طيشة قلم تصنع عندنا فكراً، وكثيراً ما نعقد عليها سَيْرَ طريقنا دونما تفكير في العواقب.
———
نقلا عن صحيفة الكناش - الاصدار الثاني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات, قراءات, نقد | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























فبراير 28th, 2009 at 28 فبراير 2009 2:54 م
قراءة جميلة ورائعة