فن المقالة
كتبهاتاء التأنيث ( المتحركة ) ، في 27 ديسمبر 2007 الساعة: 20:11 م
فن المقالة
أعده / فاطمة عامر - منى الشح - زينب عامر
المبحث التمهيدي
تعد المقالة فنًّا أدبيًّا مستحدثًا من جملة فنون النثر في العصر الحديث كالرواية والقصة والمسرحية، ويرتبط ظهورها بظهور الصحافة ارتباطًا وثيقًا، وتشكل مع الخبر أُسًّا من أساساتها.
" وهي فن سبقنا إليه الغربيون، وقد بدأت عندهم منذ ثلاثةٍ أو أربعة من القرون، … ولم تبلغ ما بلغته من التقدم إلاّ حديثًا، وذلك بعد أن تقدمت الصحافة، واتسع نطاق الحرية الفكرية، وتفتّحت أمام الإنسان آفاق جديدة من المعرفة "(1).
وكون المقالة فنًّا غربيًّا لا يعني أنها " غريبة عن اللغة العربية، ولكنها من حيث دلالتها الفنية تعد محدثة في أدبنا العربي … [ حيث لا يتجاوز تاريخها ] أكثر من قرن ونصف قرن … وبذلك تكون المقالة قد دخلت في حياتنا الأدبية بعد أن أخذت في الآداب الأوروبية وضعها الحديث"(2)، فأخذت المقالة مكانها بين الفنون، وصار لها أعلام مهدوا الطريق أمام من اتخذ من القلم رفيقًا ومن الصحيفة قرطاسًا.
* * * * * *
مفهوم المقالة :
هي من حيث اللفظ مشتقة من مادة ( ق و ل )، ووردت في المعاجم التراثية والحديثة مصدرًا من مصادر الفعل ( قال )، جاء في لسان العرب :
" القول: الكلام على الترتيب… قال يقول قولاً وقيلاً وقولةً ومقالاً ومقالةً …"(3).
وبمعنى الكلام أيضا وردت في الشعر العربي قديمًا وحديثًا، قال المتنبي(4) :
إنّما تنجحُ المقالةُ في المرء إذا صادفتْ هوًى في الفؤادِ
وقال خليل مطران(5) :
وما أنا في المقالة بالمداجي ولا أنا في الشهادة بالمحابي
أما المعاجم الحديثة فقد أوردت المقالة بالمعنى نفسه، إضافة إلى الدلالة الحديثة التي اكتسبتها باعتبارها فنًّا مستحدثًا، جاء في الوسيط :
" [ قال ] … قولاً ومقالاً ومقالةً : تكلم فهو قائل … والمقالة … بحث قصير في العلم أو الأدب أو السياسة أو الاجتماع ينشر في صحيفة أو مجلة [ ووصف الكلمة بأنها ] محدثة "(6).
وهذا يؤكد تحول الدلالة من المنطوق إلى المقروء؛ فاكتساب المقالة لهذه الدلالة الحديثة جعل منها مصطلحا لهذا الفن صيغت له تعريفات عديدة منها :
" كل مؤلَّف ليس من صفاته التعمّق في بحث موضوع ما، ولكنه يتناول الأفكار العامة المتعلقة بذلك الموضوع، ويكون نثرًا قصيرَا عادةً "(1).
ولا يخرج عن هذا التعريف ما ذهب إليه قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية وإن كان هناك تغير في الألفاظ دون المعاني، فهي عنده " بحث موجز يتناول بالعرض والتحليل دون تعمُّق قضيةً من القضايا أو جانبًا منها "(2).
ولعل الفارق بين التعريفين أن الأول استعمل كلمة ( مؤلف )، والثاني ( بحث ) فوافق ما جاء في الوسيط، ولكل نوع شروطه، والتعريف الأول أقرب إلى حقيقة المقالة؛ فهي لا تخضع للمعايير البحثية المتعارف عليها، كذلك اشترط الأول تناول الأفكار العامة وهي تعني الشمولية في طرح الموضوع ،بينما تحدث الثاني عن إمكانية تناول جانب واحد من الموضوع، واشترك مع الأول في عدم التعمق، وسيظهر عند التطبيق أنها أقرب إلى كونها مؤلَّفًا من كونها بحثًا.
وفي دائرة المعارف البريطانية " هي قطعة إنشائية ذات طول معتدل تكتب نثرًا، وتلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقةٍ سهلةٍ سريعةٍ، ولا تُعنَى إلاّ بالناحية التي تمس الكاتب من قرب "(3).
وفي هذا التعريف تبيان لمظاهر المقالة الفنية من حيث كونها نثرًا معتدلَ الطول سهلَ التناول للموضوعات، لكنه لم يصنفها بل وصفها وصفًا عامًّا ( قطعة )، كما تبرز نقطة مهمة هي ذاتية الكاتب ورؤيته للموضوع، يؤكد هذا ويوضحه ما جاء في معجم لاروس حيث عرفها بأنها :
" عمل قصير يقوم الكاتب من خلاله بشرح وجهة نظره في قضية محددة "(4)يضاف من خلال هذا التعريف إلى ضروريات المقالة تحديد الغاية والهدف منها، وعدم التشعب عند كتابتها كي لا تجنح بعيدا عن الكاتب وذاتيته .
هذا عن المصطلح وقد اعتمد كعَلَم على هذا الفن، فماذا عن نشأته ؟
* * * * * *
نشأة المقالة:
" يطلق الإنجليز على المقالة اسم ( محاولة Essay )، أي أنها شيء غير مكتمل، شيء يشبه المذكرات الخاصة والخواطر المتناثرة، وعلى القارئ تكميل ما بالمقالة من نقص … "(5)
" وإن صدق هذا على المقالة في طورها الأول فهو لا يصدق عليها اليوم… فالمقالة بمرور الأيام واختلاف
الكتّاب أصبحت عملاً منظمًا يتطلب مزيدًا من إحكام الصنعة وضبط التصميم ، إلا أنها لا تبلغ مبلغ الكتاب أو البحث الكامل "(1)،ولكن في معرض الحديث عن نشأة المقالة تجدر الإشارة إلى هذه الإطلاقة بخاصة أنها تتفق مع ما أطلقه رائد هذا الفن على كتاباته المقالية الأولى ، ومع أول ظهور لهذا المصطلح حيث " ظهر مصطلح ( المقالة Essay ) في القرن السادس عشر على يد [ ميشيل دي مونتين الفرنسي 1533 1592 ] وهو الذي أطلق على كتاباته ( مقالات essais )، وتعني تجارب أو محاولات، ومن ثم فهي أحكام أولية بدلا من أن تكون نهائية"(2)
مما سبق نستطيع القول إن نشأة المقالة ارتبطت بالمذكرات الشخصية والخواطر، ولذلك وصفت بعدم الكمال ، أي أن نشأتها ذاتية، وهذا ما أبانته بعض التعريفات السابقة، ويؤيده أيضا بواكير الكتابات المقالية وهي ما كتبه ( مونتين ) صاحب الإطلاقة الأولى لهذا المصطلح ، حيث كانت كتاباته الأولى خلاصة لفترة من العزلة فرضها مونتين على نفسه ليعيش حياة يرف عليها الهدوء وتخصبها القراءة .
وكانت هذه الخلاصة انعكاسًا لعدة عوامل أثرت في هذه التجربة الذاتية لمونتين : كثقافته وعزلته وتأملاته وعنايته بالأدب عنايته بمشكلات عصره الفكرية والاجتماعية، فتداخلت هذه العوامل وظهر انعكاسها عندما بدأ مونتين الكتابة عام ( 1571 ) .
مرت كتابات مونتين بمراحل تأثر فيها ببعض التيارات الأدبية إلى أن وصل مرحلة التطور التي أبدع فيها هذا الفن الجديد من الكتابة فكان له فضل الريادة فيه، حيث كانت سنة ( 1580 ) هي سنةَ ميلاد المقالة على يد مونتين بعد ما يقارب عشر سنوات، حيث جمع ما كتب في هذه السنوات وعدته أربع وتسعون مقالة، ونشرها في جزئين سماها ( محاولات )، وكان في هذه المحاولات مغلّبًا للعنصر الشخصي على العناصر التي ترفده من قراءاته المختلفة، وكانت حديثًا عن تجاربه الخاصة مدعَّمًا ببعض الأقوال المأثورة والحكم التي تأتي دون قصد، وكانت فيضا من التأملات العميقة والتجارب الشخصية الصادقة؛ ولهذا عدَّ مونتين رائدًا لفن المقالة بعامة، ولنوع من أنواعها وهي المقالة الذاتية بخاصة، وبهذا نشأت نشأة ذاتية.
وكان الدور الرائد بعد مونتين لفرنسيس باكون الإنجليزي [ 1561 1636 ] ، حيث نشر مقالاته سنة ( 1597 ) وكانت عدتها عشرًا، وكانت أولَ أثر أدبي إنجليزي يتسم بسمات هذا الفن الجديد ، وكان بين كتابات باكون ومونتين فرق واختلاف، مرجعه تباين مذهبيهما في تلقي الحياة والصدور عنها، فمقالات باكون طبعت بطابع الوعظ المركّز الذي يتسم بالدسامة، حيث كان يطمح إلى تقعيد علم للأخلاق، مما جعل مقالاته أقرب إلى الموضوعية وأبعد عن الذاتية، بينما كان مونتين يبث تجاربه الخاصة ونظرته للحياة بأسلوب نابع من صدق التجربة(1). وخلاصة ما مر أن المقالة نشأت نشأة غربية، وأنها كانت سابقة " في الأدب الأوروبي، وأنها بدأت برجلين من أبناء القرن السادس عشر هما: ( ميشيل دي مونتين الفرنسي و فرانسيس باكون الإنجليزي) اشتهر أولهما بالمقالة الذاتية، واشتهر الثاني بالمقالة الموضوعية، ومنذ ذلك الوقت ورجال الأدب والنقد يقسمون المقالة من حيث هي إلى هذين النوعين فقط(2).
ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرًا من المؤلفين في فن المقالة أو الأدب وفنونه يحاولون تأصيل المقالة وتجذيرها كفن نثري في الأدب العربي، ويدلّلون على ذلك فيربطون بينها وبين فن الترسُّل أو ما عرف بالرسائل الأدبية كرسائل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وغيرهما، ويرون أن صورة المقالة الحديثة ما هي إلاّ صورة متطورة عن عدة صور في مراحل مختلفة خلال مسيرة الأدب العربي(3)، مع العلم بأن المقالة الحديثة لم تنتشر ولم تعرف إلاّ بعد ظهور الصحافة وانتشارها، وأن المقالة مثلها مثل المسرحية نشأت نشأة غربية واستطاعت اللغة العربية وأهلها استيعابها ومن ثم التأليف فيها، وإن كان ثمة نقطة التقاء بين المقالة والرسالة فهي في " حرية الكاتب في أن يكتب ما يشاء "(4).
ويلخص بعض الباحثين الاختلافات بين المقالة والرسالة في نقطتين:
الطول: فالمقالة تمتاز بالقصر ولا يبلغ طولها ما بلغته الرسائل الأدبية.
الزمن: فالمقالة أشد ارتباطا بالزمن … من الرسائل الأدبية(5). وعليه فلا داعيَ لهذه التسويغات، وتبقى المقالة فنًّا أدبيًّا فرض وجوده، واستوعبته اللغة العربية وأهلها؛ فاستطاعوا أن يكتبوا ويطوروا أساليب كتاباتهم " لتناسب البيئة العربية… مما يحقق شروط البيئة الخاصة، ويحافظ على عناصر الخصوصية في الهُوية العربية"(6).
طبيعة المقالة وخصائصها الفنية:
لكل فن من الفنون أصول وأساسات وميزات خاصة تميزه من غيره، والمقالة ككل فن لها ميزات لابد من توافرها في النص المقالي.
" والمقالة في وضعها الفني الحديث تتميز بالقصر؛ لأنها لا تحاول أن تشمل كل الحقائق والأفكار المتصلة بموضوعها … لكنها تختار جانبًا أو على الأكثر قليلاً من جوانبه لتجعله موضع الاعتبار، … [ وعليه فهي ] ليست حشدًا من المعلومات، وليس كل هدفها أن تنقل المعرفة، بل لابد إلى جانب ذلك أن تكون مشوقة، ولا تكون المقالة كذلك حتى تعطينا من شخصية الكاتب بقدر ما تعطينا من الموضوع ذاته "(1)
" [ وهذا ] لا يعني أن موضوع المقالة ينحصر في الكاتب نفسه، [ لكنه يعني ] أن كل ما يعرضه الكاتب فيها إنما يعرضه مصطبغًا بشخصيته، [ فيتحدث ] عن المجتمع البشري وبعض مشاكله، أو عن الطبيعة وبعض مشاهدها … المهم في كتابته هو طريقته في عرض ما يتأمله أو يشعر به … "(2)؛ فتكون المقالة انعكاسا لشخصية كاتبها .
ومن هذه الانعكاسات أنه " كلما اتسعت ثقافته وزاد تعمقه في موضوع اختصاصه استطاع أن يكتب مقالات أكثر اتصالاً بهموم القراء واهتماماتهم، وكلما زادت ثروته اللغوية أشرق أسلوبه وصار أكثر جاذبية لقرائه "(3).
ولا تنحصر علاقة الكاتب بمقالاته في هذه الانعكاسات التي تتضح بعد أن ترى المقالة النور؛ لأن نواة المقالة " فكرةٌ في رأس الكاتب تظل في رأسه فترة من الزمن تنمو فيها وتكبر وتأخذ الشكل السوي، وهي في تلك الفترة من النمو تتغدى من ملاحظات الكاتب، ومن قراءاته المتعددة النواحي، ومن خبراته الشخصية … وكل ذلك يتشكل حين تأخذ [ المقالة ] صورتها النهائية بحالة الكاتب النفسية، ومعنى هذا أن الكاتب يحدد مشروع مقالته قبل أن يكتبها، بحيث تتوجه كل مادته على اختلاف أنواعها إلى جلاء فكرة واحدة في جميع جوانبها، وفي الوقت الذي يحرص فيه الكاتب على تماسك مقالته وقوتها نجده حريصًا على إمتاع قرائه "(4).وخلاصة ما مضى أن " كتابة المقالة هي نوع من التعليق الشخصي على كل ما يعرض للكاتب من مشاهد الحياة والطبيعة، وهذا التعليق يجب أن يطبع بطابع شخصي يميزه عن سواه "(5).وهذه طبيعة المقالة من حيث كاتبها، أما من حيث هي فن فلها خصائص فنية تتلخص في مجموعة نقاط تجمع ما ورد سابقًا في تعريفات المقالة، وما ورد هنا، أهمها:
· المقالة فن نثري تتميز بأن حجمها قصير أو متوسط الطول.
· تقدم عرضا لفكرة رئيسة واحدة، توحد المقالة وتسيطر على كيانها.
· عنوانات المقالات يجب أن تتسم بالإيجاز، والتعبير عن الموضوع، وإثارة اهتمام القارئ.
· يتسم عرض الأفكار بأسلوب له نظام خاص، ومبادئ ترتيب الأفكار ذاتُ أساس منطقي، كأن ينتقل من الخاص إلى العام،… أو من المألوف إلى غير المألوف، أو من البسيط إلى المعقد.
· المقالة تعرض الفكرة أو تعبر عنها بأسلوب مبسّط يبعد عن التعقيد وعن التناول والتخصص؛ لأن ذلك مجاله البحوث والدراسات المتخصصة وليس فن المقالة.
· أسلوب المقالة يعتمد على اللغة البسيطة بحيث تنأى عن التعقيد واللجوء إلى الغريب.
· إذا كانت المقالة ذاتيةً فإنها تسمّى بالخاطرة أو الصورة القلمية، وآنذاك يتحرر أسلوب بنائها ولغتها، وتصبح إبداعية الطابَع.
· بناء المقالة الموضوعية يتكون بالإضافة إلى عنوانها من أقسام ثلاثة: المقدمة والجسم والخاتمة(1)
وما ورد في طبيعة المقالة سواء من حيث كاتبها، أو من حيث خصائصها يؤكد ما جاء في تعريفاتها،وتبقى النقطة الأهم في ما سبق أن الكاتب وشخصيته هما محورا المقالة وأساسيها، وعليه فالمقالة هي منطق الكاتب ولسان حاله.
* * * * * *
صحيفة صدى الجامعة
" صدى الجامعة "صحيفة جامعية إخبارية ثقافية أكاديمية، منوعة شاملة، تصدر شهريًّا عن جامعة الس7ابع من أكتوبر، تُعنَى بكتابات أعضاء هيئة التدريس والطلبة وإبداعاتهم، تتابع أخبار الجامعة ومناشطها الثقافية والمشاركات العلمية في الندوات والمؤتمرات داخل الجماهيرية وخارجها، كل ذلك مدعم بالصورة .
تشتمل على مقالات عامة وإبداعات أدبية بخاصة من الطلبة، ومقالات علمية متخصّصة، ومقالات نقدية ولقاءات، مع مساحة أدبية ومساحة رياضية وبعض الإعلانات والتهاني العلمية.
* * * * * *
البداية :
في الوقت الذي كانت فيه جامعة الس7ابع من أكتوبر تستعد لإقامة حفل الخريجين للعام الجامعي 2003 2004 في 7 أكتوبر ( التمور ) 2004 تزامنًا مع افتتاح قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب الواقع بالمؤتمر الشعبي الأساسي الزروق، وابتهاجا بالذكرى الرابعة والثلاثين لجلاء الإيطاليين عن أرض الوطن، وأثناء اجتماع اللجنة التحضيرية لهذه الاحتفالات تقرر إصدار صحيفة ثقافية بهذه المناسبة، وتستمر في الصدور بعد ذلك بصفة شهرية.
وفعلا كانت البداية بتاريخ 30 / 8 /2004 حيث تمَّ تكليف الإخوة الآتية أسماؤهم بمَهمة إصدار صحيفة جامعية شاملة تصدر شهريا باسم ( 7 أكتوبر ) ابتداء من أول شهر أكتوبر 2004، والإخوة هم :
أ/ جمال القويري أمينا للتحرير،والأساتذة : عصام الدناع ويوسف الخراز وعلي الطويل وطارق الشعافي أعضاءًً، وصدر العدد الأول من الصحيفة مع حفل الخريجين المشار إليه سابقًا.
وصدر العدد الثاني في منتصف شهر الحرث ( نوفمبر ) 2004، ثم بعد ذلك تأجل صدور العدد الثالث إلى شهر النوار ( فبراير ) 2005، وذلك بناءً على التعليمات الصادرة من الأخ الأمين السابق للجنة الشعبية للجامعة(1)بشأن تحويلها إلى مجلة، وبدأت الاستعدادات من جديد من قبل أسرة التحرير لوضع الخطة والتحوير اللازم لإصدار هذه المجلة، لكن هذا الأمر لم يحدث وبقيت المطبوعة صحيفة، واستحدثت مجلة علمية محكّمة باسم ( الساتل ) .
* * * * * *
المرحلة الانتقالية : بعد استلام أمين اللجنة الشعبية للجامعة الحالي(2)لمهام إدارة الجامعة في أواخر شهر أي النار ( يناير ) 2005 قام بدعوة مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي ولإعلامي بالجامعة، ومن ضمنهم أسرة تحرير الصحيفة، ونوقشت موضوعات من بينها استمرار الصحيفة في الصدور حسب السياق السابق كصحيفة شهرية مع الاتفاق على استبدال اسمها من ( 7 أكتوبر ) إلى ( صدى الجامعة )، وإجراء بعض التغييرات في أعضاء هيئة التحرير، وبتاريخ 12 / 5 / 2005 صدر قرار إصدارها، وكانت أسرة التحرير متكونة من :
أ/ جمال القويري أمينا للتحرير، والأساتذة / محمد شاهين وأبو القاسم قزيط وحسن الأشلم وعبد الحكيم بادي وعلي الطويل أعضاءً(1).
ومن ضمن مواد قرار إصدار الصحيفة مادة تسمح للجنة التحرير بالاستعانة بمن ترى ضرورة الاستعانة به في سبيل تأدية عملها على الوجه الأمثل، وبناءً على هذه المادة انضم الأستاذ مصطفى الهاشمي بن نصر إلى أسرة التحرير في ما بعد.
باشرت اللجنة المذكورة عملها عقب صدور القرار المشار إليه، وأصدرت العدد الثالث في شهر الماء 2005 معنونا بالاسم الجديد ( صدى الجامعة ).
ومنذ ذلك الوقت والصحيفة تصدر شهريا وبانتظام، وفي كل فترة تطعَّم أسرة التحرير بعناصر جديدة في إطار تحديث الصحيفة والرقي بها، وتُخْرَجُ الصحيفة في مقرها المنضوي تحت راية اللجنة الثقافية بالجامعة، وتطبع في مطابع مدينة مصراتة(2).
وجريًا على سنة التوثيق والتسجيل وما لهما من مكانة لائقة وحفظ من التغييب والتضييع أقدمت صحيفة صدى الجامعة على تجليد أعدادها الصادرة تباعًا في سِفْرٍ متقن لا يعدم الفخامة والجمال، يعبر عن وعي القائمين عليها بأهمية التوثيق، والعمل على إرساء هذا التقليد؛ مما عزّز خطة الصحيفة في توزيع منجزها على مكتبات الجامعة والمكتبات الوطنية، إضافةً إلى الدار الوطنية للكتب والمطبوعات.ولا يخفى ما في هذه الخطوة من خدمة للمجتمع من خلال التدوين الرسمي والحفظ لدى الجهات ذات الاختصاص؛ فالمحفوظات الوطنية هي الذاكرة الجامعة والجماعية، وتبقى هذه الخطوة خطوةً على طريق حفظ الذاكرة، ودرجةً على سلّم الاحتفاظ بالمنجَز والاعتزاز به(3).
المبحث الثاني بناء المقالة
الترتيب والتنظيم والتنسيق مهم ليكتمل العمل ويأتي بالصورة المطلوبة، ويحقق الهدف المنشود، وفي المقالة يحتاج الكاتب حتى ينظم أفكاره ويصل بها كاملة إلى القارئ إلى أن ينتهج نهجاً يساعده على أن تظهر المقالة بالشكل المبتغى، هذا النهج هو احتواء المقالة لعدد من اللبنات تكمل بناءها، متماسكة سابقتها بلاحقتها حتى تبدوَ المقالة في شكل أشبه بجسم الإنسان الذي يتشخص أمام القارئ في حوارية مباشرة.
وبناء المقالة بناء فني يحتاج تنظيما خاصا، بحيث تخرج المقالة بقالب يرتب فيه الكاتب أفكارَه وتصوراتِه بحسب هذا التنظيم؛ فتخرج المقالة بالشكل المقبول. ولبنات التنظيم لبناء المقالة أربع هي على التوالي:
· العنوان
· المقدمة
· الجسم ( المناقشة )
· الخاتمة
العنوان
رأس الأمر وبداية الموضوع، وافتتاحية القراءة، ومرشد القارئ، ودليل المتطلّع، ووسيلة الولوج إلى قضية المقالة، هو عامل الإثارة والجذب، وأداة الاستفتاح والاستهلال، هو الدلالة والعلامة والإشارة، وهو الأساس كما يقول أحمد شوقي في وصفه للأخلاق:
المجد والشرف الرفيع صحيفة جعلت لها الأخلاق كالعنوان (1)
ذلك هو العنوان .. فهو " ينهض بدور كبير في جذب القارئ وإثارة اهتمامه لقراءة مقالة ما، ولذلك يجب أن يتّسم بالتركيز والإيجاز، والتعبير عن الموضوع، والقدرة على جذب القارئ أو تشويقه للاطلاع على نصّ المقالة "(2).
"وهناك حقيقة تقول: ثلاثة أشياء تجذب القارئ إلى قراءة المقالة: أولها العنوان، وثانيها طريقة العرض، وثالثها اسم الكاتب… ومعنى ذلك أن الطريق إلى شهرة الكاتب الناشئ إنما هو حسن اختيار العنوان…"(3)
العنوان لغة :
ورد في اللغة عُنوان وعِنوان بالضمّ والكسر .. جاء في لسان العرب في مادة ( ع ن ن ):
" عنّ الكتاب يُعنُّه عنًّا، وعنّنه: كعنونه، وعنونته وعلونته بمعنى واحد مشتق من المعنى .. وقال اللحياني: عنّنت الكتاب تعنيناً، وعنّيته تعنية إذا عنونته، أبدلوا من إحدى النونات ياءً، وسُمي عنواناً لأنه يعنُّ الكتاب من ناحيتيه، وأصله عُنّان فلما كثرت النونات قلبت إحداهما واواً، ومن قال عُلوان الكتاب جعل النون لاماً؛ لأنها أخفّ وأظهر من النون"(4)
تعريف العنوان :
يمكن تعريف العنوان في الصحيفة بأنه: " (السطر أو مجموعة الأسطر التي جمعت بحروف كبيرة لتسبق موضوعاً أو قصة خبرية، وتلخّص هذا الموضوع أو القصة الخبرية )
غير أنه من الخطأ أن نعتقد أن كلمة عنوان تعني الجزء العلويّ وحده من عنوانات الصحف دون سائر الأجزاء الأخرى، إذ أن العنوان في الواقع يشمل صدور الأخبار والموضوعات التي تنشر عنها الصحيفة"(5).
وهناك ما يسمّى بالعنوانات الدائرية العريضة، وتسمّى في اللغة الأوروبية ( المانشيتات )(1).
أهمية العنوان:
إنك " حين تتصفح نسخة من صحيفة يومية … تجد أنواعاً شتى من هذه العنوانات، وكل نوع منها يؤدي وظيفة خاصة، ويستطيع القارئ بنظرة واحدة سريعة يلقيها على الصحيفة أن يلم بجميع
الأنباء، … فإن كان لديه متسع من الوقت انتقل من العنوانات إلى صدور الأخبار، ليزداد بقراءتها علماً بالحوادث …
والحقيقة كما يقول الأستاذ (وستلي) في كتابه (تحرير الأخبار) أن العنوانات لا ينبغي أن ننظر إليها فقط على النوافذ التي نطلّ منها على الصحف، بل يجب أن ننظر إليها كذلك على أنها من المصادر الرئيسة للإعلام، وخاصة بالنسبة للقراء الذين تضطرهم ظروفهم دائماً إلى القراءة العَجلى"(2).
إن العناوين للمقالات كاللافتات على المحال التجارية تخبر بما فيها وتشير إليها، وفي اختيار الكاتب للعنوان يعكس شخصيته، واستيعابه الدقيق للموضوع، وحاسته الدقيقة في بناء الجملة الناجحة في تأدية الغرض المطلوب منها.
وينبغي أن لا نقلل من أهمية العنوان، واعتداده جزءاً رئيساً من المقالة، " فمعظم الذين يدرسون المقالة يقتصرون في تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، دون إشارة إلى العنوان"(3) .
خصائص وشروط كتابة العنوان:
" ذكر ستانلي جونسون وجليوان هاريس من الشروط التي يجب أن تراعى عند كتابة العناوين الصحفية، وبعض هذه الشروط صالح للتطبيق على عناوين المقالات بمختلف أنواعها، ومنها:
1 يجب تجنّب تكرار الأفكار، وتجنّب تكرار الألفاظ الواردة في العنوان.
2 تجنّب العناوين التي تسبّب اضطراباً أو غموضاً.
3 ينبغي للعنوان أن ينقل جديداً، ويوحي بأن هناك عملاً قد أنجز أو حدثاً ما، ولذلك يحسن أن يشتمل على فعل أو ما يدل على حدث.
4 يفضل استخدام الفعل المبني للمعلوم على المبني للمجهول.
5 استخدام الفعل المضارع أو المستقبل، فالمضارع يحل محل الماضي واستخدام (س وسوف) للاستقبال مع المضارع، وذلك للتعبير عن الموضوعات والأفكار والأحداث وفق زمنها "(4) " والحكمة في ذلك هي أن يشعر القارئ بأنه يعيش في جو الموضوع أو الحدث الذي تنشر عنه
الصحيفة "(1) .
6 " ينبغي للعنوان أن يكون واضح العبارة، تبدو عليه الجدّة وأن يتجنب العبارات المهجورة .
7 اختيار الكلمات التي تنقل الفكرة المطلوبة"(2)، "وأن تكون ألفاظ العنوان ملائمة بقدر المستطاع لطريقة عرضه، وللطراز أو النموذج الذي جمع به، أو الخط الذي اختاره المحرر لكتابته… فالعنوان الكبير الحجم … تلائمه الألفاظ المختصرة، أو القليلة العدد، والعنوان الأصغر أو
العنوان غير الرئيس وهو المجموع في حروف متوسطة الحجم يمكن أن يحتاج لألفاظ أكثر، وهكذا … "(3) .
8 " تجنب استخدام اللهجة العامية في العنوان ما أمكن.
9 ينبغي عدم استخدام الاختصارات, ما لم تكن شائعة ومفهومة…
10 ينبغي عدم إقحام الرأي في العنوان, أي يفضل إضفاء طابع الحياد والموضوعية ما أمكن .
11 ينبغي عدم استخدام الكلمات الزائدة, وعبارات التدليل ما لم ترد في عنوان كتاب أو مسرحية أو فيلم سينمائي. "(4)
شروط يجب توافرها في الكاتب:
" 1 استيعاب دقيق لكنه الخبر أو الموضوع الذي يكتب له العنوان، فيحاول المحرر أن يعرف جيداً أيّ أجزاء الخبر أو الموضوع أولى بالتقديم، وأيها أشد لفتاً لأنظار الجمهور، وأيها كذلك أهم من سواه في نظر الصحيفة .
2 حصيلة لغوية كبيرة تعين المحرر على حسن اختيار الألفاظ، بحيث تقوى على تأدية الوظائف التي للعنوان .
3 حاسة دقيقة وقدرة ظاهرة على بناء الجملة أو الجمل التي يشتمل عليها العنوان، بحيث لا تحتمل غموضاً أو إبهاماً، ولا تتسع لتأويلات مختلفة"(5). وبذلك يكون العنوان بطاقة العبور إلى مضمون المقالة ومحتواها، وبقدر توافر الشروط فيه وفي الكاتب يكون محقِّقًا للغاية المطلوبة، وخليقًا بأن يترأس الأجزاء الأخرى ويتقدمها.
عناوين المقالات في صدى الجامعة:
بإلقاء نظرة على عناوين المقالات في صحيفة (صدى الجامعة)(1) نجد تحقيقاً لأغلب الشروط الآنفة الذكر، فقد جاءت العناوين في أغلبها واضحة، متجنبة ما يسبب الغموض والاضطراب، ونأت عن استخدام العامية، والعبارات المهجورة، ونقلت الفكرة المطلوبة، وجاءت في معظمها جملاً اسمية، وقلّ استخدام الفعل المضارع في العناوين، فورد في العناوين التالية دالاً على الحال:
" عن أيّ شرق يتحدثون ؟ "(2)
"من ينقذ سمعة الطبيب الليبي "(3)
"مشاريع التخرج مجهودات طلابية يجب توظيفها "(4)
وورد الفعل المضارع دالاً على الاستقبال في العنوان:
" تنسيب الطلاب هل سيلبي رغباتهم هذا العام ؟"(5) .
وكذلك ورد فعل الأمر للدلالة على الطلب مثل :
" تخيّل ثمّ استطلع "(6) " ساعدنا يا دكتور "(7)
ويلاحظ على العناوين مدى مطابقتها لقضية المقالة، ومواءمتها لمحتواها، وقد جاءت بعض العناوين تدلل وتشير إلى شخصية الكاتب، ومدى ثقافته واطلاعه، وحصيلته اللغوية، واستيعابه الدقيق لقضية المقالة.
ومن بين العناوين .. "الكتاب الجامعي.. المطلب الأول للطلاب "(8)
وانطلاقاً من أن العنوان ينهض بدور كبير في شدّ القارئ، وإثارة اهتمامه لقراءة ومعرفة ما في المقالة، جاء العنوان واضحاً بعيداً عن الغموض، ومدللاً على محتوى المقالة من قضية، فاستخدام الكاتب الوصف للكتاب بالجامعي حدّد عناصر تتبادر إلى ذهن القارئ عن أهمية وجود الكتاب الجامعي للطالب، والجهات المسؤولة عن توفيره، ومدى ملاءمة ما هو موجود لاحتياجات التخصصات المختلفة، وغيرها من الأفكار التي يوحي بها العنوان، وتدلل على أن الكاتب وفق في اختيار الكلمات التي تنقل الفكرة المطلوبة، وتجنب ما يثير الاضطراب والغموض، وفي اختياره لكلمة (كتاب) توحي للقارئ بما يساند الكتاب في تقديم المعلومة للطالب، من أشرطة وأقراص معلوماتية ومطبوعات دورية،.. وغيرها، ثمّ يطنب الكاتب في العنوان بوصف الكتاب ب(المطلب الأول للطلاب) وإن كان يكفيه أن يكون العنوان (الكتاب الجامعي) لأن فيه ما يكفي من الإيحاء والإشارة، ثم إن جملة (المطلب الأول للطلاب) فيها إقحام لرأي الكاتب، والذي ينبغي أن يكون العنوان محايداً موضوعياً ما أمكن. " ورقات من أرز لبنان "(1) .. عنوان ناسب المقالة حيث جزأ الكاتب المقالة إلى فقر معنونة بعناوين فرعية، فكانت كل فقرة كورقة جمّع الورقات العنوان الرئيس " ورقات من أرز لبنان" بثّ من خلالها الكاتب مشاعره وتعليقاته تجاه الأحداث في لبنان، ومناسبة العنوان الرئيس صاحبها مناسبة العنوانات الفرعية لكل فقرة، وكذلك اختصارها وإيجازها في كلمة أو كلمتين، ودلالتها العميقة على محتوى الفقرة .
فكرة الأوراق ولنفس الموضوع تكررت في مقالة أخرى، وبصورة مختلفة ومبتكرة، تحت عنوان: " هل بقي ورق توت حتى يسقط "(2) والمقالة إسقاط على مشهد الأمة وما تعرض له لبنان من اعتداء وعدوان، وجاء العنوان مدللاً على تعري الأمة وفضائحها.
ومن الطريف ورغم ما ذكرنا من أهمية العنوان وردت مقالة بعنوان: (بدون عنوان)(3)ويقصد بالعنوان هنا مكان الإقامة وما فيه من تسهيل لمهمة ساعي البريد، ويشير الكاتب إلى أهمية ترقيم المباني وتسمية الشوارع.
توافرت في عناوين المقالات عنصر الإثارة والتشويق، وذلك باستخدام أسلوب الاستفهام، ليثير فضول القارئ، ويدفعه إلى قراءة المقالة ومعرفة محتواها، ليصل بقراءتها إلى الإجابة عن السؤال المطروح، فكانت العناوين الاستفهامية زهاء سبعة عشر عنواناً، منها:
"إلى أين أيها الإنسان؟"(4)، و"هل ثمة قضية للمرأة"(5)، "الكراغلة حسب أم نسب"(6) " ماذا نريد من إعلامنا السمعي والبصري" (7)
كذلك جاءت بعض العناوين مع دلالتها على قضية المقالة ومحتواها، متضمنة مظهراً بلاغياً، ومحسناً بديعياً؛ لتتضافر مع المعنى اللغوي في دلالتها على المقالة، وتشير إلى الحاسة الدقيقة للكاتب في بناء الجملة الناجحة في تأدية الغرض المطلوب منها، من ذلك عنوان:
" صحافة بلا قراء أم قراء بلا صحافة "(1) في العنوان ما يسمّى في علم البديع وضمن المحسنات المعنوية بالعكس والتبديل، " وهو: أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر… ويقع على وجوه… منها أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين "(2).
في العناوين: " القانون وبطن النون "(3)، و" الجنوح أو النزوح"(4)، و" أفكار بلا أسوار"(5)محسن لفظي وهو السجع، " وهو: تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد. وهذا معنى قول السكاكي: الإسجاع في النثر كالقوافي في الشعر"(6) .
" ظلام الراهن وقبس الانبعاث "(7) عنوان جمع بين كلمتي (ظلام وقبس) فكان بينهما المحسن المعنوي الطباق أو المطابقة، " وهي الجمع بين المتضادين أي معنيين متقابلين في الجملة "(8) ومنه الطباق الظاهر والطباق الخفي.. وإن كان مقابل الظلام النور إلاّ أن كلمة قبس وهي الشعلة من النار أشارت إلى النور وعدم الظلمة، وفي ذلك ما فيه من الإيحاء والدلالة على قضية المقالة.
"الجامعة جامعة"(9) بين الكلمتين جناس، و"الجناس بين اللفظين هو تشابههما في اللفظ.. والتام منه: أن يتفقا في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها، فإن كانا من نوع واحد كاسمين سمي مماثلاً "(10) فكلمة (الجامعة) تعني مكان الدراسة الجامعية، وكلمة (جامعة) اسم فاعل من الفعل جمع، ووصف للجامعة بجمعها للمستويات المختلفة.
جاءت بعض العناوين في هيئة قوالب جاهزة أغنت الكاتب عن البحث عن عنوان مناسب من جهة، ورأى فيها موصلاً لفكرته ومراده من المقالة من جهة أخرى، منها ما استعير من آية قرآنية كالعنوانين:
)إن الباطل كان زهوقاً((11) * و )علامات وبالنجم هم يهتدون((12)* *.
أو من بيت شعريّ، كعنوان المقالة الذي كان بيتاً شعرياً للشاعر اليمنيّ "عبد الله البردوني":
"فضيع جهل ما يجري وأفضع منه لو تدري"(1) وقد وفق الكاتب في اختيار العنوان، الذي نقل الفكرة المطلوبة، وعبّر عن مشاعر الغضب التي تنتاب العرب عند الشدائد، ثمّ لا تلبث أن تتبلّد الأحاسيس، وتفتر الهمم.
وقد يكتفي الكاتب في اختيار عنوان المقالة بشطر بيت أو جزء منه، يكون فيه الغاية والمراد، مثل العنوان: " نعيب زماننا"(2)، وقد ينأى الكاتب عن الشطر الثاني إما لعدم تعلق قضية المقالة به، أو تأدباً مع القارئ، كشطر البيت الذي جاء عنواناً لمقالة:
"عليّ نحت القوافي من معادنها "(3)
وفي إطار العناوين ذات القوالب الجاهزة، جاءت بعض العناوين مثلاً من أمثال العرب، التي تناسب السياق، وتوائم قضية المقالة.
من ذلك مقالة حملت عنوان: " ما أشبه الليلة بالبارحة "(4) حيث وظّف الكاتب المثل للتعبير عن محتوى المقالة، وقد وفق في ذلك عند إشارته لدورات رفع الكفاءة وما فيها من مفاجآت، وعدم تخطيط مسبق، جعل الأخطاء تتكرر للستة الثانية على التوالي.
والمثل يضرب "عند تشابه الشيئين، وهو من بيت أوله:
كلهم أروغ من ثعلبة ما أشبه الليلة بالبارحة وإنما خص البارحة لقربها منها، فكأنه قال: ما أشبه الليلة بالليلة، [ والبيت يعني ] أنهم في اللؤم من نصاب واحد، وقد تمثل به الحسن رضي الله عنه في بعض كلامه للناس"(5).
وعلى نفس النسق يأتي عنوان:
"كل إناء بما فيه ينضح "(6)وهو مثل يضرب في إفصاح وإظهار ما في الإنسان من طبع وخلق وتفكير، فإن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر. "ويروى ينضح بما فيه أي يتحلّب"(7).
لم تقف العناوين ذات القوالب الجاهزة عند الآيات والشعر والأمثال العربية، بل تعدتها إلى الأدب العالمي.
"الدرس الأخير"(1)ورد عنواناً لمقالة، وهو قبل ذلك عنوان لقصة للكاتب الفرنسيّ (الفونس دوده)كما يذكر الكاتب، وفي اختياره لهذا العنوان دلالة ومعان وأبعاد، فمن خلال المقالة يشير الكاتب إلى الخطر الذي يحدق بالعرب عند ضعف لغتهم، أو تخليهم عنها، وأن في إضاعتها إضاعة لبلادهم، مستخدماً مضمون القصة الذي أورده باختصار في المقالة، ومشيراً إلى قضايا تتعلق بأهمية العربية وضرورة الحفاظ عليها.
وفي الإطار نفسه إطار العربية وأهميتها جاء العنوان المقتبس "الشرارة الأولى"(2) عنواناً لمقالة
تتضمن بياناً متخيّلاً صادرًا عن مركز اللغة العربية الذي لمّا يفتح بعد في محاولة لتصويب استعمال بعض المفردات؛ واختير العنوان تيمّناً بالشرارة الأولى للثورة، وتفاؤلاً بما كان لها من نتائج.
وغير خفيّ ٍما في هذه الاستعانة بالقوالب الجاهزة من ابتكار وتجديد، بتوظيفها لتكون عنواناً يتناسب مع قضية المقالة ومحتواها.
وهكذا تعددت وتنوعت العناوين، مستخدمة الفصحى ومبتعدة عن العامية، ومتنوعة بين الطول والقصر، مثيرة في بعضها،تقليدية في بعضها الآخر.
* * * * * *
المقدمة ثاني الممهدات لموضوع المقالة بعد العنوان، وفيها "يستهل الكاتب كلامه بفكرة عامة أو خاطرة من الخواطر التي مرت بذهنه، ووقف أمامها متأملاً ومستغرقاً في تأمله"(1).
ويجب أن تشتمل المقدمة على جملة محورية تحتوي (هذه الفكرة) التي ستتمّ مناقشتها، وقد تكون هذه الجملة الشاملة الجملة الأولى في المقالة غالباً، وقد ترد في منتصف المقدمة، ويجوز تأخيرها بحيث تختم بها فقرة المقدمة.
وغاية هذا القسم من المقالة تهيئة القارئ للموضوع، وإعطاؤه فكرة عامة عنه"(2)، وتكمن أهميتها في كونها: "هي التي تجذب القارئ فيمضي في القراءة، وهي التي تصد القارئ عن القراءة "(3)، (وهذا يعني استحسان) أن تشتمل على إثارة اهتمام أو استغراب لدى القارئ حتى ينجذب إلى المقالة ويشعر بضرورة متابعتها.
"وهناك شروط يجب مراعاتها في مقدمة المقالة منها:
1: أن تشتمل على الفكرة المسيطرة التي سيتمّ تطويرها في المقالة.
2: جملة الفكرة المسيطرة في المقالة هي وعد الكاتب للقارئ بأنه سيقدم له ما يدعمها.
3: جملة الموضوع (فكرة المقالة) يفضل أن تكون في بداية المقالة؛ لأن كتابة فقرة تشرح فكرة رئيسية أسهل من كتابة الأجزاء التي تقود إلى تلك الفكرة.
4: الفكرة المسيطرة هي الجزء الأساسي في جملة موضوع المقالة.
5: الفكرة المسيطرة هي كلمة أو شبه جملة أو جملة محددة ومعروفة.
6: أفضل مكان تكتب فيه الفكرة المسيطرة هو أن تكتب في نهاية جملة الموضوع"(4).
الجسم (المناقشة)
جسم المقالة أو صُلبها "شرح للفكرة، وتعليق عليها، وإيراد لبعض الأمثلة والشواهد الواقعية أو الذاتية"(1).
"ويشكّل هذا القسم الجزء الأساس في المقالة، ففيه يتم عرض البيانات والحقائق والأدلة التي تحاول أن تؤيد ما جاء في المقدمة وبخاصة جملة الفكرة الرئيسة أو جملة موضوع المقالة.
ويشكّل الجسم المجال الحيويّ الذي يحاول فيه الكاتب إقناع القارئ بوجهة نظره بأسلوب يعتمد على التسلسل في عرض الأفكار وتقديم المعلومات الضرورية، وتحليل وتفسير ما هو بصدد عرضه من أفكار أو ظواهر أو أعمال أو منجزات.
ويتكوّن عادة من فقرات تتسم كل فقرة بالوحدة والتماسك والترتيب المنطقيّ، ويتحقق ذلك إذا كانت جميع الجمل في الفقرة ذات صلة بالفكرة المسيطرة، ويتم عرض الأفكار فيها بتسلسل منطقي بحيث تؤدي الفكرة إلى الفكرة الأخرى، وتختتم الفقرة عادةً بجملة استنتاجية.
والكاتب في هذا القسم يتاح له عرض أفكاره ومناقشتها مثلما يبسط حججه وأدلته بالأسلوب الذي يختاره حتى يفرغ مما يريده فيتهيأ لاختتام مقالته(2).
* * * * * *
الخاتمة
"الخاتمة: تلخّص موضوع المقالة وتأتي بنتيجته… وهي آخر ما يبقى في ذهن القارئ، ولابدّ من أن تكون الخاتمة قوية جامعة محكمة في آنٍ واحد"(3).
"ويقوم الكاتب بتكثيف رأيه في خاتمة مقالته، … ولذلك تمثل الخاتمة خلاصة ما يريد الكاتب قوله، فقد يكون تقييماً، أو دعوة للمشاركة أو اتخاذ المواقف، أو عبرة للناس أو غير ذلك مما يؤيد هدفه ويوصله إلى الغاية التي كتب من أجلها مقالته،[ وقد يستعمل صيغاً لغوية] تشعر القارئ بفقرة الختام، كأن يستخدم تعبيرات من مثل: وأخيراً، أو ختاماً، وفي النهاية، ومحصلة الأمر …إلخ"(4) .
بناء المقالة في صدى الجامعة:تطبيقاً لما تمّ تنظيره سنقوم بدراسة هذه المقالة التي حملت عنوان:"شرق أوسط كبير تهافت الفرضيات"(1) وذلك من حيث العنوان، والمقدمة، والجسم (المناقشة)، والخاتمة. العنوان:
جاء العنوان واضحًا لا غموض فيه، وكان اختيار كلماته ناقلاً للفكرة المطلوبة، كما أن اختيار التركيب الاسمي الخالي من الأفعال إثبات لهذه الفكرة.
* * * * * *
المقدمة
الجملة المحورية التي تشتمل على (الفكرة المسيطرة) هي قوله: "من هذه الأفكار التي تهمنا في وطننا العربيّ الأطروحة المستحدثة التي تُروّج لها الخارجية الأمريكية (شرق أوسط كبير) ". وهي فكرة متسعة لها أبعاد استوعبت المقالة حيثياتها، كما كان العنوان جزءاً من هذه الجملة، ووردت في منتصف المقدمة، وقد تكمن إثارتها في كونها تسجيلاً لاعتراض على مصطلح مألوف الاستعمال في مجاله، متعارف عليه، يُفهَم اعتراض الكاتب عليه قبل أن يصرّح به من خلال وصفه ب (الأطروحة المستحدثة التي تروج لها…)
ويعلّل هذا الاعتراض في نهاية المقدمة بأنه صادر عن الآخر (الغرب)، وكذلك ارتباط التسمية بالموقع الجغرافي لهذا الآخر، الذي تسمّح الكاتب لنفسه في أن يسميه (الغرب الأقصى)بناء على (الشرق الأوسط).
ولو أتينا إلى بقية شروط المقدمة لرأينا الكاتب كيف طوّر الفكرة المسيطرة بتحليله لمفهومها على أرض الواقع برصد الحدث وما وراءه، كما كانت تقديماً لما وعد به الكاتب من أنه سيدخل في حيثيات الفكرة وبطانتها، وجاءت الجملة المحورية في بداية المقالة، كما أنها جزء أساس في مقدمة الموضوع، يشير إلى ذلك وصف الكاتب للفكرة بأنها: "من الأفكار التي تهمنا… الأطروحة".
أما من حيث أفضلية المكان فجملة الموضوع أو الجملة المحورية جاءت في نهاية المقدمة إذا اعتُبِرَ تسجيل الكاتب لاعتراضه على التسمية خارج المقدمة، وكأنه جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب على رأي النحاة، وعلى هذا تكون الجملة (جملة الفكرة) في نهاية المقدمة، كما لم تكن طويلة؛ لأن ما بها من مكملات ساعد على وضوح الفكرة.
الجسم (المناقشة)
بدأ الكاتب مناقشة فكرته بتقرير أن هناك سجالاً فكرياً بين الفكر العربيّ والفكر الغربيّ عامة والأمريكي خاصة منشؤه فهم الجميع لمنظومة الآخر المعرفية، التي وصفها ب (المعولمة)، وجهل الآخر لمنظومتنا الفكرية مما يؤدي إلى عدم إمكانية التواصل.
وفي الفقرة التالية عرض حقائق وبيانات عن فكرة المقالة، وأساس مناقشتها (الشرق الأوسط الكبير) واستمر في تسجيل اعتراضه بوصفه لهذا الشرق ب(المزعوم)، وكأنه يؤكد بهذا ما قرّره من سجال.
ثمّ يبين الطارحَ لهذه الأطروحة وزمنَ الطرح، ويحلّل الموقفَ المرتبط بزمن الطرح تحليلاً وظّف فيه تخصصه وخبرته المعرفية، فكان كالقارئ لما وراء الحدث، وأسلمته هذه القراءة إلى نتيجة فحواها فقدان التواصل مع الآخر، وسد أفق الحوار، وبالتالي يتحول الحوار إلى العنف، فيكون وسيلة لإيصال رسالة إلى الآخر.
ثمّ يسقط هذا الموقف مع الآخر على الشرق نفسه، ويفسر بحسب سياقات الأطروحة الأمريكية أن عنف شعوب الشرق يكون نحو حكوماتها لغياب الحوار بين الحاكم والمحكوم، ويكون هذا الموقف جملة استنتاجية، يختم بها هذه الفقرة من المناقشة.
تماسكت فقرات مناقشته وارتبطت جملها ببعض في متسلسلة بدأت بعرض الفكرة، وتوصيفها ومن ثمّ تفسير لها، ولما وراءها.
* * * * * *
الخاتمة:
بدأ خاتمته بالتقرير كما بدأ مناقشته، تقرير الهدف من العدوان، وتقرير قبول النظرية كتفسير للعدوان، ويضع تفسيراً منطقياً، يمكن الركون إليه بعيداً عن التفسير الأمريكي المرتهن للمصالح، وهذا التفسير بمثابة نتيجة يسجلها في خاتمته بقوله: (وواقع الحال…)، ويعلن أن فقدان الحوار هو سبب العدوان الذي يتجلى فيه اهتمام الآخر، كما حدث في 11 9 وما تبعه من اهتمام لم يسبق له مثيل بالإسلام والمنطقة العربية. ويختم بدعوته أن " لا مفر للغرب من فتح قنوات الاتصال بين هذه الشعوب والغرب على مصراعيها إذا كانت حقًّا لا تريد 11 9 جديدة" .
* * * * * *
المبحث الثالث
عناصر المقالة
تتكون المقالة من جملة ٍمن العناصر التي تشكل الأساس في أي عمل أدبي، وتختلف تلك العناصر في المقالة عن تلك التي في غيرها من الأعمال الأدبية من حيث توظيفها، وطرائق الأخذ بها، وتشمل : الفكرة، واللغة، والأسلوب .
إن خصوصية تكوين الكاتب الفني والفكري من العوامل المهمة التي يُعتمد عليها في استخدام تلك العناصر الثلاثة الاستخدام الأمثل والأجدى، ويعتمد ذلك على مدى الموهبة المتمكنة في نفس الكاتب، والتي يغذيها من ثمار ثقافته المتعددة، ومخزونه اللغوي، والتجربة الخاصة التي يحصِّلها من خلال الدربة والمران، والتي تنعكس في أسلوبه وتعطيه الرونق الخاصة، والروح المعبرة، فيُنشئ مقالات أكثر تأثيرا، وأشد إقناعا بحسب الموضوع المخوض فيه، فلكل موضوع لغته الخاصة التي يستمدها من سياقه وطبيعته"(1) ونتناول في ما يأتي تلك العناصر بشيء من التفصيل .
* * * * * *
الفكرة:
إن عنصر الفكرة عنصر رئيس من عناصر المقالة؛ فمن خلالها يتحدد الهدف والمعنى، وإن الكاتب حين يشرع في الكتابة لابدّ من أن فكرة ما لما سيكتب قد تبلورت في عقله، وهو لا يمكنه أن يكتب من فراغ، أو دون هدف محدد في ذهنه؛ فأساس أي كتابة فكرة معينة تسيطر على عقله ووجدانه، ثم يترجمها عملا أدبيا أو علميا، ويستمد الكاتب أفكاره من تجاربه وتجارب الآخرين، ولا يمكن أن نتصور مقالة تخلو من عنصر الفكرة مهما كانت قيمتها(2)،غير أنها تختلف عند كاتب عنها عند آخر وضوحا وغموضا، فبعض المقالات تحمل أفكارا واضحة لا يُحْتاج في فهمها واستخراجها إلى كبير عناء، وبعض المقالات يصعب الوصول فيها إلى فكرة معينة؛ إما لأن الكاتب تعمَّد ذلك، وقصد إلى التعمية، وإما لأنه لم يستطع عرضها والتعبير عنها بأسلوب ملائم؛ فأشكل على المتلقي التعرف إليها.
* * * * * *
اللغة:
إن لغة المقالة وأسلوب صياغتها دليل القارئ إلى شخصية الكاتب، وطريقة تفكيره، وفلسفته في الحياة، بهما يتكشف المستوى الثقافي، والرصيد المعرفي، ومدى تمكن الكاتب من أدواته المعرفية والفنية في إتقان فن الكتابة عموما، وإن الكتابة قديما وحديثا تحتم على الكاتب أن ينأى بألفاظه وتراكيبه عن الغرابة والغموض، وأن يقترب بها من ذهن المتلقي بحيث تكون اللغة سهلة، صحيحة،عذبة، راقية، بعيدة في الوقت ذاته عن الابتذال.
بعنصري اللغة والأسلوب وجودتهما، وملاءمة كلٍّ منهما للموضوع يتحدد مستوى المقالة من حيث القوة والجودة، وعليهما يتوقف الحكم على جودة التعبير وحسن أداء المعنى، ومن ثَمّ نجاح الكاتب الذي يتحقق من خلال قدرته على التعبير عن المعاني المختلجة في عقله بوسائل متعددة تتوافر في اللغة ومنها:
الأداة، الكلمة، الجملة، ثم تآلف الجمل واتساقها وانسجامها الذي ينشأ عنه الأسلوب.
ومن هنا فإن الأسلوب لا ينفصل عن اللغة، وإن لكلٍّ من تلك الوسائل اللغوية ما يلائمها، بحيث يكون البناء موافقا للمعنى المراد الذي لا يمكن أن يؤدَّى إلاَّ من خلال تركيب متلائم الأجزاء، مكتمل الأركان، تام الفائدة، وعليه ينبغي للكاتب أن يختار منها ما يمكِّنُه من إيصال المعنى بدقة ووضوح، دون أن يعتريَ أسلوبَهُ خللٌ أو اضطراب.
فعلى مستوى الأدوات يجب أن تكون ملائمة للمعنى والسياق، ويلزم لذلك أن يكون الكاتب عالما بدورها، مطلعاً على المعاني التي تؤديها، ملماً بخصائص كل أداة يسوقها في عباراته وتراكيبه، وفي اللغة كثير من الأدوات التي تساعد على أداء المعاني المختلفة، كأدوات النفي والنهي والاستفهام وأدوات التوكيد وغيرها، وعليه أن يراعي الفروق الدقيقة بين هذه الأدوات في معانيها المختلفة، التي على أساس من معرفتها يمكنه اختيارها وسَوقُها في أسلوبه.
أما على مستوى الكلمات فعن طريق الربط بينها بواسطة أدوات الربط المختلفة تتكون الجمل، ويأخذ الأسلوب شكله المعبر عن المعنى، ومن هنا تكتسب الكلمة أهميتها في بناء الأسلوب، وتؤدي دورها الأساس، وعليه أن يختار من الكلمات أجملها وأكثرها إيحاء وتناسباً مع الموضوع المخوض فيه، أفعالاً كانت الكلمات أم أسماءً؛ فالأفعال لاقترانها بالزمن تصلح للدلالة على الحدوث والتجدد، أما الأسماء لتجردها من الزمن فتصلح للدلالة على عدم تجدد الحدث، وإعطائه صفة الثبوت؛ لذلك قد يقع الاختيار على الاسم بدلاً من الفعل، كما قد يقع على الضمير بدلاً من الاسم؛ لأن فيه إفادةً تتمثل في الاختصار والإيجاز.
ولما كانت اللغة هي وسيلةَ الاتصال الرئيسةَ بين الكاتب والقارئ كان على الكاتب أن يحقق لها الاستخدام الأمثل في مستوياتها المختلفة، ولكي يثمر الجهد ويتحقق المراد ويصل الكاتب إلى المقصد والمأمول لابد من شروطٍ وضوابطَ تتوافر بين يدي الكاتب، يلتزمها ويتمكن من حذقها واستيعابها؛ لينتهي العمل ثمرةً يانعةً يحين قطافها حين يخرج بها إلى القارئ المتلقي، والناقد الحاذق، فيتلذذ بحلو مذاقها وينتشي بفائح عطرها.
يسوق مؤلفا "فن المقالة" جملة من تلك الشروط التي ينبغي للكاتب مراعاتها في مقالته تتلخص في الآتي:
1. التخلص من الكلمات غير الضرورية التي ترهق الجملة، وتشكل فائضاً لغوياً لا لزوم له، فيقول مثلاً: [ يعد إبراهيم الكوني روائيا كبيرا] بدلا من قوله: [ يعد إبراهيم الكوني صاحب تجربة روائية كبيرة ].
2. عدم تكرار الأسماء مادام في الإمكان استخدام الضمائر المناسبة بدلاً منها مثل:
[ قسم اللغة العربية أعرق أقسام كلية الآداب، وقد تولى أمانته عدد من الأساتذة كان لهم فضل في نجاحه واستمراره ] بدلا من : [ قسم اللغة العربية أعرق أقسام كلية الآداب، وقد تولى أمانة القسم عدد من الأساتذة كان لهؤلاء الأساتذة فضل في نجاح القسم واستمراره ].
3. عدم استخدام جملة أو شبه جملة إذا كان في الإمكان استخدام كلمة واحدة، مثل: [كانت مسرحية الوسواس هي التي تم عرضها في الموسم الثقافي ] ويكون البديل : [عرضت مسرحية الوسواس في الموسم الثقافي ].
4. عدم استخدام صيغة المبني للمجهول مع ذكر الفاعل تأثرا بالترجمة، مثل : [مُنِحَ الطلاب الفائزون جوائز قيمة من قبل الجامعة] والبديل منها [ منحت الجامعةُ الطلاب الفائزين جوائز قيمة ].
5. عدم تكرار الكلمات غير المفيدة، كقول القائل : [ هناك أسباب عديدة لحصول الأديب خليفة التليسي جائزة الإبداع في ليبيا، وأحد هذه الأسباب خدمته المتفانية للثقافة في ليبيا خاصة، والثقافة العربية عامة] ويقول بدلا منه: [ مُنِحَ الأديب خليفة التليسي جائزة الإبداع لما قدمه للثقافة].
أما بناء الجمل الذي يمثل المستوى الثاني من وحدات اللغة الأساسية فعلى الكاتب أن يراعي فيه ما يأتي:
1. أن تكون الجمل المستخدمة تامة المعنى، مستكمِلة شروطَها التركيبية، مستوفية أركانها الأساسية، وألاّ يفصل بين هذه الأركان، أو تقطع الجمل دون أن يكتمل التركيب، بحيث إذا ذكر المبتدأ فلابد من ذكر الخبر بعده، وإذا استخدم الفعل المتعدي وجب أن يظهر مفعوله.
2. أن يفصل بين الجمل، بحيث لا تظهر أكثر من جملة وكأنها جملة واحدة، لأن ذلك يؤدي إلى الغموض والتشويش، وهنا يأتي دور علامات الترقيم التي يجب الالتزام بها، ووضعها في مواضعها الصحيحة.
3. يفضل أن يتم التعبير عن عناصر الجمل المتشابهة أو المتساوية في الأهمية بالطريقة نفسها؛ لتحقيق نوع من التناسب والتواؤم بين أجزاء التركيب (1).
الأسلوب:
إذا فصلنا الحديث عن الأسلوب الفني للمقالة فإننا لن نتوقف عند الأسلوب بمعناه الضيق الذي أشرنا إليه سابقا، المعنيِّ فيه باختيار الألفاظ وتأليف الجمل للتعبير عن المعاني بقصد الإيضاح والتأثير، بل سنتناول الأسلوب في معناه العام باعتباره من طرائق التعبير التي يسلكها الكتاب لتصوير ما يلج في عقولهم ويختلج في نفوسهم، ونقله لغيرهم، فباختلاف الموهبة والذوق والطبع وطرائق التفكير تختلف أساليبهم، وتتلون بثقافتهم ومعارفهم، حتى تبدو تلك الأساليب التعبيرية انعكاسا لشخصياتهم وفلسفاتهم الخاصة.
إن اختلاف الكتاب في طرق أدائهم وأشكال التعبير لديهم والموضوعات المختلفة التي يتناولونها في كتاباتهم يلزمها الأسلوب المناسب الأليق؛ فالمقالات العلمية يلزمها الأسلوب العقلي المركز المستند إلى المنطق، والواقعية والحقائق المتصلة بذات الموضوع، أما المقالات الأدبية كمقالات السيرة والصورة الشخصية وما إليها فيلزمها الأسلوب المُفْعَم بدفقات عاطفية لا تناسب المقالة العلمية، و"قد يدمج بعض الكتاب بين الأسلوب العاطفي، والأسلوب المنطقي، وينسج مقالته باستخدام العنصرين معاً"(1).
ومنذ القرن التاسع عشر برز عدد من كتاب المقالة الأدبية ( الذاتية )(2) اعتمدوا فيها أساليب أربعة نذكرها تباعاً بشيء من الشرح والتأصيل.
أولاً أسلوب الصنعة البديعية:
اعتمد الكتاب الذين اتبعوا هذا الأسلوب على التأنق اللفظي في العبارات والجمل باستخدام المحسنات البديعية المتنوعة، وجعلها الأداة السائدة في المقالة، ومن أولئك الكتاب كان "مصطفى لطفي المنفلوطي"، ولعل هذا الأسلوب جاء امتدادا لما كان متبعا في المقالة في صورتها الأولية البسيطة على يد روادها الأوائل أمثال: " رفاعة رافع الطهطاوي"في بواكير مقالاته بصحيفة الوقائع المصرية، التي بدت فيها عنايته بالسجع، وما إليه من الأصباغ الفنية التي تعتمد التكلف في الألفاظ والجمل.(3)
* * * * * *
ثانياً الأسلوب المرسل:
ويتمثل هذا النوع من الأساليب التعبيرية في التحرر من التأنق اللفظي والمحسنات البديعية، حيث يميل الكاتب إلى التحرر من قيود السجع وأغلال البديع، ويعمد فيه إلى إيصال الفكرة بعيدا عن التكلف الذي يستدعيه الأسلوب الأول بلغة حرة، وتأليف ذي جودة بعيدٍ عن الابتذال، يحفظ لهذا الفن حيوية التعبير ورونقه، وقد كان للصحافة والمجلات الأدبية الدور الأكبر في شيوع هذا الأسلوب، وغلبته على أسلوب الصنعة البديعية، ومن أنصاره: أحمد حسن الزيات، وطه حسين، وجبران خليل جبران، والمازني، والعقاد وغيرهم، ويندرج تحته أبرز الكتاب الذين ظهروا مع منتصف القرن العشرين حتى يومنا هذا(1).
* * * * * *
ثالثاً الأسلوب التصويري الساخر:
يقوم هذا الأسلوب على " الصورة الموحية التي يراعى فيها التهويل في إبراز السمات الواضحة أو الملامح الشاذة بغية المفاكهة أو السخرية "(2)، وهذا الأسلوب يقترب كثيرا مما يسمى اليوم ب الكاريكاتير، حيث يعمد الفنان إلى المبالغة والتضخيم في رسم ملامح شخصياته، وإظهارها بشكل مثير للضحك، ولهذا الأسلوب جذوره في التراث العربي في النثر كما هو الحال عند الجاحظ في عدد من رسائله، وفي الشعر عند ابن الرومي في صوره الهزلية الساخرة التي يرسمها لمهجوه، وممن كتبوا بهذا الأسلوب في العصر الحديث أحمد فارس الشدياق.(3)
* * * * * *
رابعاً الأسلوب القصصي:
" يقوم هذا الأسلوب على السرد والوصف أو الحوار، حيث يعمد الكاتب إلى تصوير الأحداث معتمدا على السرد الذاتي، فيقوم برواية الأحداث والمواقف على لسانه بوصفه محورا وبطلاً، بحيث يمثلها أمام القارئ بأسلوب يثري خياله، ويستعطف مشاعره، متجاوبا معها منفعلا بها، وتسمى المقالة في إطار هذا النوع من الأساليب " المقالة القصصية "، ومن أكبر روادها في العصر الحديث مصطفى لطفي المنفلوطي، وإبراهيم المازني، ويحيى حقي"(4).
* * * * * *
الأسلوب في المقالة الموضوعية:
أما المقالة الموضوعية "فقد درجت الصحف على إمداد قرائها بالفصول العلمية المفيدة، والمقالات الفنية الطريفة، يتعلمون منها حيناً، ويتسلون بها أحياناً، ويجدون في كلتا الحالتين لذةً عقلية ربما لا تضارعها لذة مادية من لذائذ الحياة"(5).
والكاتب في المقالة الموضوعية بأنواعها يجد نفسه أمام نوعين من القرّاء، نوع لا يعرف إلا علماً واحداً قد تخصّص فيه، ونوع لا يعرف شيئاً ولم يتخصّص في شيء، ولكنه يميل إلى أن يلمّ بشتات من المعلومات، وما دام الأمر كذلك، وبما أن المقالة الموضوعية "تدور اهتماماتها حول تجلية موضوعها تجلية عقلية باستخدام الأسلوب العلميّ والمنطقيّ، الذي يحفظ للموضوع حدوده وقضاياه وحقائقه، بعيداً عن شخصية كاتبه ودون أن تطغى أحلامه وعواطفه على موضوعه"(1)؛
لذا على الكاتب أن يراعي في أسلوبها الآتي:
الإقلال جهد المستطاع من المصطلحات العلمية المعروفة عند أهل العلم، وتبسيط المعلومات التي يقدمها للقرّاء مراعاة منه لمستواهم، واصطناع القوالب الأدبية كلما أمكن في التعبير عن المادة العلمية، وربط المعلومات الطريفة التي تأتي في المقالة بحاجة من حاجات القرّاء، أو رغبة من رغباتهم حتى ولو كانت هذه النزعة مجرّد التأمل في قدرة الخالق، ويجب عدم طغيان الصفة الذاتية على الموضوعية، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود مسحة ذاتية صريحة تبث في المقالة شيئا من الحياة والإشراق.(2)
والناظر في المقالة الموضوعية " التي يراد بها خدمة الجمهور من قراء الصحف يرى لصياغتها طرائق شتى منها طريقة السرد، وطريقة الحوار، وطريقة القصة، وطريقة الأمثلة والشواهد، وطريقة تصحيح الأخطاء والأفكار… "(3)
عناصر المقالة في صدى الجامعة
تعددت مقالات صدى الجامعة، وتنوعت موضوعاتها تبعًا لتعدد الميول، وتنوع التخصصات المرتبطة بكتاب تلك المقالات، بحيث جاء بعضها ترجمةً للواقع الجامعي ووصفًا لأحداثه وسردًا لأهم مستجداته، كما جاء بعضها حاملاً في طياته النقد، والدعوة إلى التجديد والتغيير، وتنوعت كذلك مقالاتها الذاتية والعلمية، وانقسم كتابها إن صحت التسمية إلى:
كتاب مقتدرين تمثلوا في عدد من أساتذة الجامعة جادت كتاباتهم لغةً وأسلوباً، وكتاب ناشئين تمثلوا في عدد من الأساتذة والطلاب اضطربت كتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات, قراءات, مقالات, نقد | السمات:قراءات, نقد, مقالات, دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























