مدونة يشرف عليها نادي المرأة الثقافي الاجتماعي بمدينة مصراتة الليبية

 

أنشأتها الطالبات في قسم اللغة العربية بجامعة مصراتة / ليبيا في 21 . 6. 2007


إطلالة على المعاجم من خلال: كفاية المتحفظ وغاية المتلفظ في اللغة لابن الأجدابي الطرابلسي ت 470 هــ

يونيو 25th, 2008 كتبها تاء التأنيث ( المتحركة ) نشر في , دراسات, قراءات, كتب

 

إعداد: فاطمة السنوسي مختار عامر

 

المبحث الأول :

1 ــ نشأة الحركة المعجمية

تعد اللغة العربية من أعظم اللغات التي عرفها الإنسان ومن أوسعها، وهي من أكبرها حظًّا من العناية والاهتمام اللذين تجلّيا بشكل مذهل في تلك المكتبة اللغوية التي ابتدعتها الحضارة الإسلامية خلال قرون طويلة، وكانت منذ البدء دليلاً ملموسًا على أصالةٍ متمكنة وعمق بعيد”1.

وما كانت هذه المكتبة اللغوية إلاّ نتاجًا لحركة تأليفية جاءت كمرحلة تالية لمرحلة جمع اللغة وتدوينها حفظًا لها وللأنموذج الأمثل للاقتداء والاحتذاء والسير وَفق قواعده ومنهاجه.

تعددت صور التأليف بتعدد اهتمامات العلماء بكل فرع من فروع اللغة التي من بينها ما تتألف منه هذه اللغة من مفردات، وما تكتنزه هذه المفردات من معان، حيث تصدى لجمع هذه المفردات علماء قامت على أيديهم حركة التأليف المعجمي؛ فألفوا رسائل وكتبا اصطلح على تسميتها في ما بعد ( معاجم ).

قامت حركة التأليف في المعاجم على أساس المادة التي جمعها اللغويون في البادية في القرن الثاني الهجري، فقد خرج عدد كبير من اللغويين من البادية وأخذ كل منهم يجمع اللغة من أبناء القبائل العربية، وبذلك تمّ إنجاز أول عمل لغوي ميداني في الجزيرة العربية، … ولم تكن عملية جمع اللغة محاولة شاملة لتسجيل كل الألفاظ التي عرفتها القبائل العربية بل كان اللغويون يصدرون في اختيارهم للقبائل واختيارهم للرواة عن مبدأ أساسي هو تسجيل اللغة الفصحى والابتعاد عن الصيغ والألفاظ غير الفصيحة.

وبهذا المعيار ركز اللغويون عملهم على لغة تلك القبائل التي تقترب كل الاقتراب من العربية الفصحى، ورفضوا لهجات القبائل التي تبتعد عن الفصحى، وبين هذا وذاك صنفت لهجات القبائل المختلفة”2

ومن أهم العوامل التي أسهمت في نشأة حركة التأليف اللغوي بعامة والمعجمي بخاصة، أو ما كان محور الدراسات كلها : القرآن الكريم وفهمه؛ ” فالقرآن هو الأب الشرعي لكل العلوم والبحوث التي عرفها العرب إبان حضارتهم العريقة، والمعجم العربي يبدأ تاريخه منذ أن واجه أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مشكلةُ فهم النص القرآني وبخاصة حين كانوا يجدون في النص ألفاظا لا يعرفون معانيها فيسألون عنها ثم يقيدون تفسيراتها إلى جانبها خلال النصوص حتى يتذكروها عند التلاوة”3.

كما أنه مما “مهّد لنشأة الفكرة المعجمية جملةٌ من الظروف الاجتماعية والثقافية أبرزت ضرورة وضع معجم للغة، وأهم هذه الظروف أن حياة البداوة خلال القرن الثاني الهجري قد بدأت تزحف عليها حياة الحواضر، ومعنى ذلك أن المعين الذي كان يستقي منه الرواة واللغويون قد أوشك على النضوب …”1، فما كان منهم إلاّ جمع وتدوين ما كان فصيحًا لم يتأثر بالاختلاط بالحضر وغيرهم ممن دخلوا الإسلام، وقامت حركة التأليف اللغوي والمعجمي كنتاج لهذا المجموع.

* * * * * *

2 ــ المعاجم : نشأتها وأهميتها وأنواعها

يطلق تعبير ( المعجم ) بمعناه العام على كل قائمة تحتوي مجموعة من الكلمات من أية لغة، مع مراعاة ترتيبها بصورة معينة ذات منهج، ومع تفسيرها بذكر معناها الحقيقي أو المجازي، أو بذكر معناها واستعمالاتها المختلفة، ويدخل في هذا التعريف المعاجمُ بمفهومها المعروف لدينا، وكذلك كتب النوادر والغريب ورسائل الألفاظ التي توضع لهدف تربوي، وهي التي تتناول ألفاظا مستقاة من نصوص يصعب فهمها أو جمعت على نحو خاص”2.

ولمّا كانت اللغة هي السجلَّ الذي يحفظ كل ما هو أساسي في حضارات الأمم؛ فإن المعجم العربي قد حفظ حضارة الإسلام بكل ما فيها من ماديات ومعنويات جملة وتفصيلا، فالمعجم هو الذي تكفل بتسجيل معاني الألفاظ مستنبطة من الاستعمال أو المواقف، إنه ضم ألفاظ اللغة ومفرداتها بطريقة منظمة تهدف إلى التسهيل على الباحث وتيسر مَهمته في العثور على ما يحتاج إليه في أقصر وقت وبأقل جهد… إنه الوعاء الذي ضم مفردات اللغة بشكل مكتوب، ولولا هذا لضاعت الثروة التي نحرص عليها وعلى دراستها، والتي يعكف العلماء على تيسير تفهمها والغوص في دراستها”3.

وبما أن المعاجم أوعية ضمت مفردات اللغة واستعمالاتها فالحاجة إلى استخدامها “حاجة ماسة ودائمة بالنسبة لدارس اللغة، فضلا عن أهميتها بالنسبة إلى كل من يتكلم اللغة؛ ذلك أن قدرة المتكلم على استيعاب المفردات محدودة بمجال ثقافته، كما أن تعرُّض القارئ العادي للنصوص اللغوية في أي مجال أمر يتكرر دائما فالنصوص تحتوي مفردات ربما لا تكون قد دخلت مجال معرفة القارئ لها أو المتعرض لدرسها؛ فإذا به يحس بالحاجة إلى استشارة معجم يلقي أمامه ضوءًا يعينه على تصور المعنى المراد من اللفظة في ذاتها وفي سياقها”1.

كما أن الحاجة ماسة إلى استخدام المعجم في كل مراحل الدراسة، فالتلميذ الصغير تقابله كلمات صعبة كثيرة يقف أمامها حائرا ، والدرس كثيرا ما تصادفه كلمات غريبة تحتاج إلي البحث والكشف عن مدلولاتها المختلفة ، وإن تحديد مفهوم الكلمة يساعد علي وضوح الفكرة المتضمنة في العبارة ،ويؤدي ذلك إلى الفهم العلمي السليم الذي يدفع بالمعرفة خطوات إلي الأمام ونحن في أشد الحاجة إليها”2

هذا عن المعاجم وأهميتها من حيث كونها كتبا تعليمية ، أما من حيث هي معاجم فقد تنوع التأليف فيها واختلف باختلاف ترتيب مؤلفيها للمادة اللغوية المجموعة ، فمنهم من رتبها ترتيبا لفظيا خضعت فيه الألفاظ لأنماط من الترتيب الحرفي ، ومنهم من رتبها ترتيبا معنويا خضعت فيه الألفاظ للمعاني ، فكان ما سمي معاجم الألفاظ ومعاجم المعاني وقد صنف علماء اللغة في كلا النوعين مصنفات كثيرة ، ومع أحد معاجم المعاني ستكون الوقفة في المبحث الثاني.

* * * * *

 

 

المبحث الثاني:

1 ــ معاجم المعاني

هي معجمات جامعة لمادة اللغة، مرتبة بحسب الموضوعات، حيث تحصي المفرداتِ الموضوعةَ لمختلف المعاني بعد ترتيبها بطريقة خاصة، وتحت كل معنىً منها تندرج الألفاظ التي تستعمل للتعبير عن هذا المعنى … ومن المعاني المعاني العامة مثلاً: (أسنان الناس والدواب) ويشمل هذا المعنى الكليُّ معانيَ جزئية مثل: ترتيب سن الغلام، والشيخوخة والكبر …”1

“… ومن الطريف هنا أن غالبية المعاجم في اللغات المختلفة بدأت معنوية، ونجد هذا واضحا في معاجم اللغات الصينية واليونانية …”2.

أما بداية هذا النوع من المعجمات عند العرب فهو قديم العهد، حيث يعود إلى القرن الثاني للهجرة، وقد تمثلت بداياته في رسائل صغيرة، وكتبٍ تجمع الألفاظ التي تدور في فلك واحد أو حول موضوع واحد كما صنع أبو زيد الأنصاري ت 215 هـ في كتابه المطر، والأصمعي ت 216 هـ في كتب الدارات والنبات …”3

وتصنف هذه الكتب ألفاظها في موضوعات وتذكر الألفاظ الخاصة بكل موضوع، بغض النظر عن حروفها الأصول أو الزوائد [ كما في معاجم الألفاظ ] “4 “وهذا النوع يفيد من يريد الكتابة في احد الموضوعا

المزيد